احسان الامين
176
التفسير بالمأثور وتطوره عند الشيعة الإمامية
واختلف من حمله على نظر العين على قولين : أحدهما : أنّ المراد إلى ثواب ربّها ناظرة ، أي هي ناظرة إلى نعيم الجنّة حالا بعد حال فيزداد بذلك سرورها . . . والآخر : أنّ النظر بمعنى الرؤية ، والمعنى تنظر إلى اللّه معاينة . رووا ذلك عن الكلبي ومقاتل وعطاء وغيرهم . وهذا لا يجوز لأن كل منظور إليه بالعين مشار إليه بالحدقة واللحاظ ، واللّه يتعالى عن أن يشار إليه بالعين ، كما يجلّ اللّه سبحانه عن أن يشار إليه بالأصابع . وأيضا فإنّ الرؤية بالحاسة لا تتم إلّا بالمقابلة والتوجّه واللّه يتعالى عن ذلك بالاتفاق . وأيضا فإن رؤية الحاسة لا تتم إلّا باتصال الشعاع بالمرئي واللّه منزّه عن اتصال الشعاع به . على أنّ النظر لا يفيد الرؤية في اللّغة ، فإنّه إذا علق بالعين أفاد طلب الرؤية ، كما إنّه إذا علق بالقلب أفاد طلب المعرفة ، بدلالة قولهم : نظرت إلى الهلال فلم أره . فلو أفاد النظر الرؤية لكان هذا القول ساقطا متناقضا ، وقولهم : ما زلت أنظر إليه حتّى رأيته ، والشيء لا يجعل غاية لنفسه فلا يقال : ما زلت أراه حتّى رأيته . ولأنّا نعلم الناظر ناظرا بالضرورة ولا نعلمه رائيا بالضرورة بدلالة إنّا نسأله هل رأيت أم لا » « 1 » . الطباطبائي : وفسّر العلّامة الطباطبائي الآية تفسيرا عرفانيّا ، إذ اعتبر النظر - هنا - هو رؤية القلب المفعم بالإيمان ، الذي لا يرى شيئا إلّا ويراه أنّه آية من آيات اللّه ، فهو يقول في تفسير الآية : « والمراد بالنظر إليه تعالى ليس هو النظر الحسي المتعلّق بالعين الجسمانية المادّية الّتي قامت البراهين القاطعة على استحالته في حقّه تعالى ، بل المراد النظر القلبي ورؤية القلب بحقيقة الإيمان على ما يسوق إليه البرهان ، وتدلّ عليه الأخبار المأثورة عن
--> ( 1 ) - مجمع البيان / ج 10 / ص 155 .